جريدة إلكترونية مغربية شاملة

محمد ظهيري:أغلب النظم العربية لا تهتم بعرب المهجر

7

حين تضيق على الروح سماء بلادها المعبأة بالطائرات التي توزع هداياها من الموت المعلب الجاهز والطازج، أو حين تضيق  بها أرضها فتشنقها بأنظمة تأكل قمح الحياة، وأجنحة الكلمة، لا يملك العربي خيارا سوى حقيبة معبأة بذكريات مجعلكة، يجرّها خلفه ليدفع وزن الأحلام الزائد فيها عند كل مطار.

وحين يصل إلى أوروبا/ الفردوس يصطدم بالصورة النمطية المرسومة عنه، الصورة مسبقة الصنع، المعلبة على قياسه والتي تجعل منه إرهابيا بدائيا متوحشا، قادما من الخيمة، لا يعرف حضارة، ولا فكرا، ولا حتى أخلاقا، ناسية أن أول أبجديات العالم كانت في بلاد الشام، وأن النهضة الأوروبية جاءت من مدرسة “قرطبة” التي بنتها الحضارة الإسلامية في الأندلس.

لأجل التصدي لهذه الصورة النمطية المجحفة، يقوم العديد من الباحثين والأكاديميين العرب المقيمين في أوروبا والذين يحظون باحترام من الجامعات والمؤسسات الأوروبية، بإقامة عدة مؤتمرات وفعاليات لإعادة إحياء الوجه الحقيقي لملامح الشخصية والحضارة العربية التي تحملها معها الجالية العربية إلى أوروبا.

وقد أقيم في مدريد مؤخرا، المؤتمر الدولي الثاني بعنوان “الهجرة الدولية بين خطي عرض الشمالين 26 و 36″، المنعقد في جامعة كومبلوتينسي، بمشاركة باحثين وخبراء متخصصين في موضوع الهجرة واللجوء وحقوق الإنسان إضافة إلى مشاركة ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني من أصول عربية وأوروبية وصحافيين ومراسلين لوسائل إعلام عربية وأجنبية، ومراكز بحثية جامعية من أوروبا والعالم العربي. كما أن هذه السنة عرفت مشاركة باحثين وخبراء وإعلاميين من إسبانيا وفرنسا ولوكسمبورغ والمغرب وفلسطين وسورية والإمارات وموريتانيا والسعودية والجزائر.

كان لـ”ضفة ثالثة” هذا اللقاء مع الباحث المغربي الدكتور محمد ظهيري منظم هذا المؤتمر على هامش فعالياته في جامعة كومبلوتينسي. والدكتور ظهيري يعتبر من أهم الأصوات العربية المسموعة في إسبانيا ثقافيا وإعلاميا وفي أوساط المجتمع المدني. في سنة 2012 اختارته جامعة الدول العربية باعتباره “الشخصية العربية الأكثر تأثيرا في الرأي العام الإسباني ولدوره في الدفاع عن حقوق المغتربين العرب في إسبانيا وكذلك لدوره في الدفاع والتعريف بالقضايا العربية المشروعة والعادلة”. كما احتفى به المنتدى الدولي الثالث للهجرة سنة 2013، اعترافا بـ “دور أبحاثه العلمية في تصحيح الصورة الخاطئة عن المهاجرين العرب بإسبانيا وإبراز دورهم في تنمية إسبانيا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا”. كما احتفى به “المنتدى الإسباني- المغربي الأول للهجرة والاندماج”، المنظم من قبل الحكومتين الإسبانية والمغربية سنة 2015، كـ “مهاجر نموذج للتألق والاندماج في إسبانيا وكفاعل من أجل التقريب بين الشعبين الإسباني والمغربي والتعايش فيما بينهما”. وفي نفس السنة (2015) احتفى به المنتدى الأوروبي للهجرة “فوروم”، اعترافا “بدوره في الدفاع عن المساواة وحقوق الإنسان منذ خمس وعشرين سنة، سواء عن طريق أبحاثه العلمية أو محاضراته المتعددة أو عن طريق مداخلاته في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة”.

كما أن الدكتور ظهيري هو أستاذ محاضر بجامعة كومبلوتينسي العريقة في مدريد وباحث معتمد في “المركز الجامعي الأورو- متوسطي” و”مركز علوم الأديان”. وبموازاة ذلك يُدرّس كأستاذ محاضر وباحث وزائر في عدد من الجامعات الإسبانية والأجنبية.

الحضارات لا تتصادم

 بل تتلاقح وتتكامل

(*) سؤال: برأيك دكتور محمد، وأنت الحاصل على دكتوراه في الدراسات العربية الإسلامية وخمسة دبلومات جامعية عليا من جامعات أوروبية  في مسألة حقوق الإنسان والاندماج والتعايش والأقليات وحوار الأديان والجالية المسلمة في أوروبا، هل تستطيع هذه المؤتمرات تفعيل حقيقة اندماج الحضارات ومنها الحضارة العربية في المجتمع الأوروبي؟

– بكل تأكيد، لأن من جهل شيئا عاداه، والمشكل لدى المواطن الغربي هو أن كل ما يصله عن العرب، شعوبا وثقافة وحضارة، هو هذه الصور النمطية التي تتهافت وسائل الإعلام الغربية على نقلها لمشاهديها وهي كلها دماء وذبح وقتل وتفجيرات ودهس في أماكن عمومية بعدة عواصم ومدن عربية وغربية كبغداد والدار البيضاء ودمشق وحلب وتونس وباريس وبلجيكا ومدريد وبرشلونة وبرلين ونيويورك وغيرها. أقصد صور العمليات الإرهابية التي تقوم بها جماعات دينية متطرفة تحت غطاء الدين وباسم إسلام موجود فقط في فهمهم وفي إيديولوجيتهم المبنية على التطرف وزرع الفتنة وثقافة الحقد والكراهية والعداء والانتقام وإقصاء وقتل من يخالفهم الرأي والوصول إلى السلطة عن طريق القوة والعنف وزرع ثقافة الرعب.

ما نحاوله من خلال هذه المؤتمرات والندوات العلمية والملتقيات الفكرية، هو التعريف بهذا الجانب المشرق من الحضارة العربية غير المعروف لدى المواطنين الغربيين، سواء أكانوا طلبة أم باحثين أم أساتذة أم مواطنين عاديين. كما نحاول من خلال كل هذا تصحيح نظرة الغرب الخاطئة عن العرب، شعوبا وثقافة وحضارة، مذكرين في نفس الوقت بدور الحضارة العربية الإسلامية – إبان تألقها في الأندلس وفي المغرب والمشرق- في خروج الغرب من تخلفه الفكري والثقافي خلال القرون الوسطى ومذكرين كذلك بأن بوادر النهضة الأوروبية كانت بداياتها في قرطبة، “قرطبة الخلافة”، وأن تطور الحضارة الغربية في كل القطاعات ما كان ليكون لولا هذا الدور المشرق للحضارة العربية الإسلامية في ميادين العلم والمعمار والفن والآداب والموسيقى والدين، كما تؤكد ذلك مئات الأبحاث والدراسات الصادرة عن مراكز علمية بحثية في الجامعات الأوروبية والأميركية.

ثمة هدف آخر نتوخاه من خلال هذه المؤتمرات والندوات والملتقيات، وهو تكذيب هذا الرأي السائد، والذي يستند في الأصل إلى نظرية صامويل هنتينغتون، وهو المتعلق بـ”صدام الحضارات”، والذي تعود بداياته إلى مقال هنتينغتون الشهير تحت نفس العنوان والصادر سنة 1993 في مجلة العلاقات الدولية الأميركية. ونظرا للإقبال الذي حظي به حينذاك، خصوصا في الأوساط المقربة من إدارة بوش الأب الأميركية آنذاك، فقد حوله إلى كتاب تحت عنوان “صراع الحضارات واعادة تشكيل النظام العالمي” وأصدره ثلاث سنوات بعد ذلك، سنة 1996. وهي النظرية التي تبناها الرئيس الأميركي، بوش الابن، وفريق إدارته ابتداء من خطابه الشهير يوم 29  يناير/كانون الثاني 2002 ووظفها لاجتياح العراق سنة بعد ذلك، كما تبناها لتنفيذ مشروعه المتعلق بـ”شرق أوسط جديد”، مقسما المنطقة العربية والإسلامية إلى محورين: “محور الشر” و”محور الخير” وكل ما ترتب على ذلك فيما بعد، وعواقبه ما زالت منطقتنا العربية الإسلامية تدفع تكلفتها الباهظة إلى اليوم من ليبيا إلى اليمن ثم سورية دون نسيان الخلاف الخليجي- الخليجي الأخير المُفتعل والذي يدخل في نفس خارطة الطريق التي وضعها بوش الابن للمنطقة استنادا إلى هذه النظرية.

وهذا الطرح، في الحقيقة، باطل أُريد به باطل. فنظرية “صراع الحضارات” هذه لا تستند إلى أي أساس علمي، بل تنعدم فيها العلمية. هي نظرية إيديولوجية لخدمة مشروع إمبريالي- استعماري كان في حاجة إلى غطاء إيديولوجي. لأن مفهوم “حضارة”، كما نجده في قواميس كل اللغات، والتي تعني التمدن والتقدم والرقي، لا يجمعها جامع بكلمة “صدام”، والتي تعني الاصطدام أو الارتطام وجها لوجه. فالحضارات لا تتصادم، بل تتلاقح وتتكامل فيما بينها وتُغني الواحدة الأخرى خدمة لقيم التعايش والأمن والسلام بين الشعوب بغض النظر عن اختلاف ثقافاتها وأعراقها ومعتقداتها. والذي يتصادم هو الجهالات والمصالح.

(*) سؤال: ما هو هدف هذا المؤتمر وما هو شعاره وما هو تقييمك الشخصي له ولمدى نجاحه؟

– قبل الرد عن سؤالك أود الإشارة إلى أن هذا المؤتمر ليس الأول الذي ننظمه في علاقة بهذه القضايا. إنه المؤتمر الثامن الذي ننظمه خلال السنوات الثماني الأخيرة، بين 2009 و2017، وقد كنا اخترنا كمواضيع رئيسية للدورات السابقة العلاقات الأورومتوسطية، بشكل أساسي علاقة الدول العربية جنوب وشرق المتوسط بالدول الأوروبية شمال المتوسط. وفي إطار هذه العلاقة، ناقشنا خلال هذه الدورات مواضيع تمحورت حول “حقوق الإنسان في العلاقات الأوروعربية”، “الربيع العربي والعلاقات الأورومتوسطية” ثم “اللجوء والهجرة في العلاقات الأورومتوسطية”. وهذا الأخير خصصنا له دورتين: مؤتمر سنة 2016، وتمحور حول موضوع “اللجوء” ثم مؤتمر هذه السنة وكان حول موضوع “الهجرة”.

وكما تتبعتم معنا خلال الأيام الثلاثة للمؤتمر، بصفتك كصحافية وكمؤتمرة، فقد كان لقاء لباحثين وخبراء متخصصين في الموضوع إضافة إلى مشاركة ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني من أصول عربية وإسبانية وممثلين عن بعض الجمعيات الإسلامية بإسبانيا وصحافيين ومراسلين لوسائل إعلام عربية وأجنبية، هذا إضافة إلى مراكز بحثية جامعية. كما أن هذه السنة عرفت مشاركة باحثين وخبراء وإعلاميين من إسبانيا وفرنسا ولوكسمبورغ والمغرب وفلسطين وسورية والإمارات وموريتانيا والسعودية والجزائر.

أما بخصوص أهداف المؤتمر فلا يمكن عزلها عن الأهداف التي أشرت لها في ردي على سؤالك السابق، خصوصا أن النقاش كان حول موضوع “الهجرة الدولية بين خطي عرض الشمالين 26 و36″، والمقصود بها، بشكل أساسي، هم المهاجرون واللاجئون العرب من أصول ليبية وجزائرية ومغربية وسورية وعراقية الذين يستعملون معابر البحر الأبيض المتوسط الجنوبية قصد الوصول إلى شماله بحثا عن الأمان والنجاة وعن ظروف عيش كريمة. غير أن وصولهم إلى الدول الأوروبية خلق نقاشا اجتماعيا وسياسيا بين معارضين ومؤيدين. ومبررات المعارضين كانت كلها تتلخص في كون هؤلاء المهاجرين عربا ومسلمين وأن عاداتهم وديانتهم لا تحترم حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأقليات مما يتنافى، في نظرهم، وقيم بلدانهم. وأما على المستوى السياسي، فهناك مجموعة أحزاب سياسية ذات توجه يميني أو يميني متطرف تبنت طرح المعارضين لقدوم مهاجرين من بلدان عربية وإسلامية، بحثا عن أصواتهم والأصوات المعارضة للهجرة والمهاجرين بشكل عام. كل هذا النقاش الاجتماعي والسياسي كان ضروريا التصدي له وتكذيب مبررات وأكاذيب المعادين للهجرة وللمهاجرين العرب والمسلمين، بشكل خاص. كانت تلك أهم الأسباب التي دفعتنا إلى تخصيص مؤتمرنا السنوي في السنتين الأخيرتين لموضوع الهجرة.

تقييمنا للمؤتمر كان ناجحا بكل المقاييس، ليس فقط على مستوى نوعية الحضور ومستوى المشاركة والنقاش لكن، كذلك، على مستوى الخلاصات والتوصيات التي خرجنا بها والتي ستنشر في كتاب في دار نشر “ديكينسون”، وهي دار نشر محكمة وتوزع في كل دول العالم عن طريق فروعها أو عن طريق الشراكات التي تجمعها بدور نشر أخرى. 

إشكالية العلاقة

بين المثقف والسلطة

(*) سؤال: ما هي الروايات التي تناولتها في كتابك “إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة في الرواية العربية المعاصرة”؟ وما الذي وجدته من حجم  هذه الإشكالية بشكل عميق في الرواية العربية التي تعكس المجتمع العربي؟ وبرأيك لماذا هذه الإشكالية واضحة جدا في الرواية العربية تحديدا؟

– الرواية التي اعتمدتها كنموذج هي “شرق المتوسط” للراحل عبد الرحمن منيف. والعنوان الكامل للكتاب هو: [إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة في الرواية العربية المعاصرة. “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف نموذجا (دراسة في أدب السجون)].والكتاب، في بدايته، كان بحثا جامعيا أعددته سنتي 1989-1990 للحصول على شهادة الإجازة بجامعة القاضي عياض بمراكش. وقد علمت، سنة بعد ذلك خلال تواجدي بجامعة الرباط حيث كنت أنهي السنة الأولى بسلك الدكتوراه، بأن بحثي لقي انتشارا واسعا بين طلبة جامعتي مراكش وبني ملال حيث كانت المكتبات والناسخات الموجودة قرب الجامعتين تبيع نسخا منه للطلبة. وقد أكد لي ذلك، سنوات فيما بعد، كثير من قدماء طلبة الجامعتين الذين تواصلوا معي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ومنذ ذلك الحين، وخصوصا بعد هجرتي القسرية، شجعني الكثير من الأصدقاء والزملاء على طبعه في كتاب وهذا ما فعلته، حيث طبعته كما هو دون أية إضافة أو تعديل.

وللرد على الشق الثاني من سؤالك، وجب التذكير على أن قضية العلاقة بين المثقف والسلطة تعد من القضايا الضاربة بعيدا في جذور التاريخ الإنساني، وقد اتخذت هذه العلاقة أشكالا متعددة تراوحت بين الجمع بين الثقافة والسلطة أو التكامل بينهما أو التضاد – الصراع الحاد و المستمر، دوما وأبدا. ولعل أول وأشهر علاقة بين المثقف والسلطة عرفها التاريخ القديم هي علاقة أرسطو بالإسكندر” و قبلها علاقته بفيليب والد الإسكندر. وقد عادت هذه القضية إلى واجهة القضايا المهتم بها بداية من أوائل القرن العشرين، بعد نشر الروائي الروسي مكسيم غوركي لروايته الشهيرة “الأم” سنة 1906.

أما في وطننا العربي فقد حظيت قضية العلاقة بين المثقف والسلطة باهتمام خاص منذ سبعينيات القرن الماضي وإلى الآن، على الأقل على مستوى الكتابة. لكن أغلب الدراسات المقدمة في هذا الباب، عالجت القضية، أي إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة، بنوع من التبسيطية محاولة، من جهة، تقليص المثقفين في مثقف فرد مطلق، ومن جهة ثانية، تقليص السلطة في سلطة مطلقة معزولة عن حركة الصراع الدائر في المجتمع، واعتبار العلاقة بينهما علاقة مواجهة وصدام، لا أقل ولا أكثر. والعلاقة، ها هنا، وحسب نفس الطرح، مهما كانت شروطها، ليست سوى ثنائية. ولعل هذا الطرح، الذي يؤكد على ثنائية العلاقة، كان أحد أهم الحوافز التي حفزتني على البحث في الموضوع والتعميق فيه محاولا، من جهة، نقض القول بمفهوم الثنائية ومن جهة ثانية، تأكيد الطابع  الإشكالي للعلاقة. كل ذلك بعد أن دققت في التحديد النظري لكل من مفهوم المثقف ومفهوم السلطة. وقد تبنيت، في إطار تحليلي للنص الروائي وتعاملي معه، المنهج الباحث عن الكتابة الفاعلة في التحويل الاجتماعي وفي العلاقات الاجتماعية، لأن واقعنا العربي المعيش ثمانينيات القرن الفائت وقت إعداد البحث، والذي كان موشوما بالقمع والتراجعات الخطيرة على مستوى حقوق الأفراد والجماعات والخيانة وثورة الفقراء والكادحين والأطفال، كان يفرض على أي باحث جاد وملتزم بقضايا ومطالب الشعوب العربية المشروعة والعادلة ألا يمارس النقد كما تريده المدرسة الرسمية أن يكون؛ سباحة بين محاسن اللغة و لطائف الصياغة، بل عليه الذهاب إلى نقد قلق يكون المبتدأ فيه والخبر هو الواقع الاجتماعي غير المرغوب فيه. أي أننا نجعل من النقد، بتعبير فيصل دراج، لحظة من لحظات المقاربة السياسية. وفي هذا النقد المحاصر بالسياسة، والذي يبدو قلقا، وهو كذلك، فإننا نفتش عن جديد يقترب من الواقع الذي نعيشه ويقاربه ونبتعد بالتالي، عن النزعات الشكلية الجاهزة، التي تئد الواقع الموضوعي باسم نص لا واقع له، ونبتعد أيضا عن شكلية ميكانيكية أخلاقية، تغرق النص الصحيح في مياه التحريض الساذج والتفاؤل البسيط وإحكام العقل الكسول، كما دافع عن ذلك كل من منيف ودراج ومحمد دكروب في أكثر من سياق ومناسبة. وحينما آخذ عبد الرحمن منيف كنموذج، فلأن القضية التي أريد إثبات “إشكاليتها” أي طابعها الإشكالي، والتي هي موضوع بحثي، حاضرة، وبشكل كبير، في أعمال منيف الروائية، خصوصا منها رواية “شرق المتوسط”. وأيضا لأني أجد دعما للمنهج القلق الذي به آخذ وكذلك لأن كاتب “شرق المتوسط” يبحث عن الكلمة- الفعل التي تصف وتفضح السجن والسجين والسجان، وتهتف باسم الحرية عاليا وتكرم الإنسان وتدافع عن احترام إنسانيته وضميره.

إجمالا، أي قارئ لـ”شرق المتوسط” سيتضح له أن ادانة السلطة في العالم العربي وتعريتها هدف أساسي لهذه الرواية، على اعتبار أن السلطة أداة للقمع وتشكل عقبة في طريق التطور. على أن تجربة عبد الرحمن منيف هاته ليست بالوحيدة والفريدة من نوعها في الكتابات الروائية العربية المعاصرة، بل هناك مجموعة روايات، والتي تدخل تحت خانة “أدب السجون”، عالج فيها أصحابها محنة المثقفين والمناضلين ومطاردتهم، ثم معاناتهم، بعد الاعتقال، داخل السجون والمنافي. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: “وشم” لعبد الرحمن الربيعي، ورواية “نجمة أغسطس” لصنع الله ابراهيم ثم “كان وأخواتها” لعبد القادر الشاوي، وقد أشرت لها في دراستي. لكن الذي ميز “شرق التوسط” على غيرها، هو أن لها، إلى جانب قيمتها الروائية والأدبية، قيمة وثائقية. وهي في قيمتها تلك لا تختلف وروايات تولستوي ومكسيم غوركي وأعمال بلزاك.

الهجرة تتحوّل إلى

مشكلة إذا تم تَسْيِيسُها

(*) سؤال: في كتابك الأخير “إسبانيا من بلد مُهاجر منه إلى بلد مهاجر إليه، قصص وحكايات مهاجرين ولاجئين عاشوا وخبروا تجربة المنفى والاغتراب القسري” قمت بتشريح موثق وتاريخي للهجرة في إسبانيا كما تعرضت لحالات كثيرة لمهاجرين ومنفيين ولاجئين من سورية والمغرب وبلدان أخرى من أفريقيا وآسيا وأميركا الوسطى والجنوبية وأوروبا الشرقية. هل يمكن اعتبار هذا الكتاب، كما عودتنا في أبحاثك السابقة، “بيان فضح” للسياسات الأوروبية، وبشكل خاص الإسبانية، تُجاه المهاجرين واللاجئين، و”بلاغ تنديد” حول وضع المهاجرين واللاجئين في إسبانيا، بشكل أساسي المغاربة والسوريون منهم؟

– كما تفضلت الكتاب صدر أواخر السنة الفائتة عن دار النشر الـمُـحكّمة “ديكينسون”، وهو مقسم إلى فصلين. في الفصل الأول حاولت دراسة وتحليل ظاهرة الهجرة منذ بداياتها الأولى أوائل القرن 16 للميلاد وإلى حدود سنة 2016 بشكل موثق وتاريخي والفصل الثاني يحوي 55 قصة وحكاية على لسان مهاجرين ولاجئين من أفريقيا وآسيا وأميركا الوسطى والجنوبية وأوروبا الشرقية. هذه القصص تكفلت بجمعها الباحثتان والعاملتان في الاجتماعيات كونشا نييتو وخوسيفا فاسكيث. هذا إضافة إلى مقابلات أجريت مع بعض جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال الهجرة وكذلك المؤسسات العمومية التي لها علاقة بقضايا الهجرة واللجوء في إسبانيا.

أما بخصوص موضوع الكتاب والهدف من تأليفه وإصداره فهو أولا: يحاول التأريخ للهجرة منذ بداياتها. ثانيا: يقوم بتشريح لواقعها الحالي. ثالثا: يحاول تكذيب هذه الصورة النمطية السلبية التي خلقتها بعض الأحزاب اليمينية وبعض وسائل الإعلام التابعة لها لدى الرأي العام الإسباني عن المهاجرين في إسبانيا، خصوصا العرب والمسلمين منهم. رابعا: يبين، واستنادا إلى عدد كبير من الإحصائيات والتقارير الرسمية، إيجابيات الهجرة وفضلها على إسبانيا على كل المستويات؛ اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا. خامسا: يوضح أن الهجرة ليست مشكلة في إسبانيا والدول الأوروبية بل هي فرصة لحل الكثير من مشاكل إسبانيا، إنما تتحول إلى مشكل إذا تم تَسْيِيسُها من قبل الأحزاب السياسية وحولتها هذه الأخيرة إلى ورقة مزايدات سياسية، وكذا إذا أُسيء تدبيرها من قبل الأحزاب الحاكمة. ثم سادسا: وحتى لا تبقى دراستي عبارة عن إحصائيات وأرقام باردة، حاولت إعطاء الكلمة للمعنيين بموضوع الدراسة حيث ألحقت بها 55 قصة وتجربة حياة كملخص لـ 55 مقابلة أُجْرِيَت مع مهاجرين ولاجئين من أفريقيا وآسيا وأميركا الوسطى والجنوبية وأوروبا الشرقية، أغلبهم من بلدان عربية إسلامية ليقولوا كلمتهم وليؤكدوا خلاصات واستنتاجات بحثي العلمي التي خصصت لها الفصل الأول من الكتاب.

(*) سؤال: سيرتك الأكاديمية والمهنية تدل على مدى اهتمامك العميق بحوار الحضارات وقد اختارتك جامعة الدول العربية باعتبارك الشخصية العربية الأكثر تأثيرا في الرأي العام الإسباني ولدورك في الدفاع عن حقوق المغتربين العرب في إسبانيا وكذلك لدورك في الدفاع والتعريف بالقضايا العربية المشروعة والعادلة وبسبب دراساتك وكتبك والفعاليات التي تنسقها، هل تعتقد أن إسبانيا ستتجاوز أحداث برشلونة الإرهابية وأن هذه الأحداث لن تعمق الشرخ الحضاري وتزيد من تفعيل الفكر العنصري؟

– بدون شك، إسبانيا ستتجاوز أحداث برشلونة الإرهابية كما تجاوزت تجارب مريرة مع الإرهاب منذ ما يزيد عن خمسين سنة. فإسبانيا من أكثر دول أوروبا الغربية التي عانت من الإرهاب بكل أنواعه، منذ النصف الثاني من القرن الماضي وإلى العشرية الأولى من القرن الحالي. فمنذ تأسيس الحركة الانفصالية المسلحة “إيتا” سنة 1958 وإلى إعلانها التخلي عن حمل السلاح سنة 2011 قامت بعشرات العمليات والتفجيرات الإرهابية تسببت في وفاة 829 قتيلًا. كما أن حركة “غرابو” منذ نشأتها سنة 1958 وإلى حدود القضاء عليها من قبل الأمن الإسباني سنة 1985، كانت وراء العديد من العمليات الارهابية وتسببت في اغتيال 85 شخصا. كما تعرضت إسبانيا لعملية إرهابية سنة ٢٠٠٤ تبنتها القاعدة كرد على مشاركة حكومة خوسي ماريا أزنار إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا في اجتياح واحتلال العراق سنة 2003.

كل هذه الامتحانات تركت إسبانيا والإسبان يتعاملون مع الإرهاب بطريقة مخالفة لما اعتدناه في باقي دول أوروبا الغربية. لهذا أعتقد أن إسبانيا، على المستوى الرسمي، ستتجاوز أحداث برشلونة بحكم تجاربها المريرة وبحكم خبرة أمنها المتراكمة في التعامل مع الإرهاب منذ حوالي ستين سنة. لكن على المستوى الشعبي، بدون شك ستكون لذلك انعكاسات سلبية من حيث نظرتهم للجاليات العربية والمسلمة المقيمة في إسبانيا وكذلك على صورة البلدان العربية الإسلامية لديهم. لقد لاحظنا ذلك يوما واحدا بعد العملية الإرهابية ببرشلونة. فاستنادا إلى تقارير صحافية للأمن الإسباني، بدءا من صباح اليوم الموالي لعملية الدهس الإرهابية، سُجلت مجموعة حالات اعتداء على عدة مساجد بكل من مدن إشبيلية وغرناطة، والتي ظهرت عليها كتابات وشعارات معادية للمهاجرين المسلمين، كما أن بعض المجموعات اليمينية المتطرفة وضعت رأس خنزير في باب مسجد بمدريد ولطخت حائطه بالدماء وبشعارات مطالبة الجالية المسلمة بالعودة إلى بلدانهم، زد على هذا أنه تم الاعتداء على مهاجرين من أصول عربية وتعنيف نساء محجبات. إضافة إلى ذلك، لاحظنا كيف أن صورة العرب والمسلمين، بشكل عام، والجالية العربية المسلمة المقيمة في إسبانيا، بشكل خاص، تضررت كثيرا. فاستنادا إلى كل استطلاعات الرأي والدراسات التي أجريت خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين نلاحظ كيف أن معدل ونسب الذين ليست لهم نظرة إيجابية تجاه العرب والمسلمين ارتفعت كما أن معدل ونسب الذين يرون أن العرب والمسلمين هم المسؤولون عن كل مشاكل الإرهاب والتطرف في العالم ارتفعت بشكل لافت.

(*) سؤال: هل تعتقد أن مراكز الإعلام العربية تقوم بما يجب أن تقوم به لدعم الشخصية العربية ومرجعياتها الثقافية العريقة في الرأي العالمي؟

– لا، لأن أغلب هذه الحكومات ليست لها أية سياسة أو استراتيجية ثقافية خاصة بمواطنيها المقيمين في إسبانيا وفي المهجر بشكل عام، وآخر ما يهم أغلب الحكومات العربية هو دعم الشخصية العربية ومرجعياتها الثقافية. كما ليست لها أية استراتيجية للتعريف بالثقافة العربية في هذا البلد، ولعل خير دليل على ذلك هو أن أغلب البلدان العربية ليست لها مراكز ثقافية بإسبانيا أو مستشاريات ثقافية بسفاراتها، وإن وجدت هذه المستشاريات فلا دور لها. أكثر من هذا، فأغلب الأنشطة المنظمة في إسبانيا والتي لها علاقة بالثقافة العربية هي بمبادرات من مثقفين عرب أو جامعات إسبانية أو مجموعات بحثية تابعة لها، والتي لا تكلف التمثيليات الدبلوماسية العربية نفسها عناء حضورها.

أغلب الإعلام الإسباني له

ارتباطات إيديولوجية وسياسية

(*) سؤال: وهل الصحافة العالمية وخاصة الإسبانية قادرة على أن تكون نزيهة في تقديم الحقائق، مثلًا المذبحة السورية؟

– لا أعتقد ذلك لأن الصحافة ليست جمعيات إنسانية أو منظمات خيرية تقوم بخدمات اجتماعية وانسانية بشكل تطوعي إيمانا منها بقيم إنسانية تسعى لخدمة الانسان واحترام كرامته وضميره، فهذا ليس همها ولا يعنيها، كل ما يعنيها هو تنفيذ أجندة مُساهميها والتأثير في الرأي العام عن طريق خلق رأي متفهم ومتقبل لمشاريعها وفي نفس الوقت تحاول جني أكبر نسبة من الأرباح.

في حالة الصحافة الإسبانية، مثلها مثل الصحافة العالمية، لا أراها قادرة على أن تكون نزيهة في تقديم الحقائق منفصلة عن أجندة الأحزاب والسياسة والمصالح الاقتصادية سواء تعلق الأمر بسورية أو بإسبانيا أو الصين أو الولايات المتحدة الأميركية أو الموزمبيق. إذا أحصينا الصحافة المكتوبة فقط الصادرة في كل إسبانيا نجد ما يزيد عن 85 جريدة، بدون الجرائد الرياضية. ولعل أكثرها انتشارا هي جريدة “إلباييس” متبوعة بالجريدة المجانية التوزيع “20 مينوتوس (عشرون دقيقة)” ثم جريدة “إلموندو”. فيومية “الباييس” تمثل اليسار المعتدل وقريبة من الحزب الاشتراكي العمالي بينما “إلموندو” هي لسان اليمين الممثل لليبرالية الجديدة في إسبانيا.

وهذه الجرائد هي، في نفس الآن، ملك لمجموعات إعلامية ذات رأسمال متعدد. فمثلا جريدة “إلباييس” تملكها مجموعة “بريسا”. ومجموعة “بريسا” إضافة إلى إصدارها لجريدة “الباييس” باللغات الإسبانية والإنكليزية والبرتغالية تصدر عدة مجلات وتملك شبكة كبيرة من القنوات الإذاعية كما تملك عدة قنوات تلفزية، هذا إضافة إلى إحدى كبريات دور النشر التي تطبع وتوزع بإسبانيا وأميركا.

وحينما نتكلم عن جريدة أو يومية في إسبانيا والمجموعة المالكة لها فنحن نتكلم عن مشروع له ارتباطات إيديولوجية وسياسية وفي نفس الآن نتكلم عن مشروع استثماري خلفه عشرات المستثمرين الذين لهم أسهم في هذا الاستثمار ويستعملون هذه الأسهم متى اقتضت الضرورة لتغيير عناوين الأخبار وكذا الخط التحريري ونفس الشيء يقوم به الحزب السياسي الذي تربطه علاقة تبادل مصالح مع المجموعة المالكة للصحيفة. وقد تجلى ذلك بشكل واضح ابتداء من الأزمة الاقتصادية التي عرفتها إسبانيا منذ النصف الثاني من سنة 2007 والتي كانت وسائل الاعلام أكبر المتضررين منها حيث إن مداخيل الدعاية والإشهار تراجعت كما أن مديونية أغلب وسائل الإعلام مع البنوك ارتفعت مما تسبب في تسريح مئات الصحافيين من كل الجرائد كما أن البنوك حولت ديونها إلى أسهم في هذه الجرائد، هذا إضافة إلى مستثمرين جدد اشتروا أسهما في الشركات المالكة لهذه الجرائد ومن بين هؤلاء المستثمرين الجدد توجد بعض دول الخليج التي اشترت أسهما في مجموعة “بريسا” المالكة لجريدة “الباييس”. كل هذا كان له انعكاس كبير على مهنية هذه الجرائد وكذا نزاهتها في القيام بدورها الإعلامي منفصلة عن أجندة الأحزاب السياسية التي تربطها بها علاقات تبادل مصالح أو عن المصالح الاقتصادية للشركات والبنوك والدول المالكة لأسهم داخل الشركات المالكة لهذه الجرائد.

أرتيكل19/العربي الجديد

Leave A Reply

Your email address will not be published.