جريدة إلكترونية مغربية شاملة

كفانا من سياسة النعامة، خطير جداً ما وقع في البيضاء!

8

أرى أن كل ما يحدث مؤخرا في مجتمعنا المغربي يسير بوثيرة كبيرة تفوق سرعة تحليلي لكل هذه الظواهر. وهذا امر لا يفاجئني في الواقع لأنها عملية طبيعية تسلك طريق تطورها الطبيعي إذا لم نتدخل باستعجال لتعديل مسارها و تأطير تطورها في الاتجاه الايجابي.

فكيف لنا أن نحلل الصدام الذي قام بين الأفارقة المهاجرين وبين الشباب المغربي في الدار البيضاء؟

لا داعي للبحث عن الأسباب لأنه سيكون أمراً فاشلاً مسبقا ومهما حددناها فسوف لن ينفعنا في شيء أمام هول ما حدث لأنه سيتكرر لمرات عديدة في المستقبل خاصة إذا أصررنا على معرفة الأسباب والتي ستفتح كل أبواب الاتهامات وتصفية الحسابات في حين النزاعات مستمرة وبإمكانها أن تتطور إلى مشاكل أخطر مما نراه في هذه الساعة.

إن المسألة هنا في الواقع هي مشكلة العنصرية العرقية واللونية والدينية وهذا ما يقع في أوروبا كذلك بحيث نجد فئة مثقفة تنادي بالحقوق والمساواة ولا فرق بين أسود وأبيض وفئة أخرى تجهر بالعنصرية بدون خجل. ولكن في الأصل، الكل يجهر بالعنصرية والفرق يبقى في حدة الصوت، فهناك الأصوات الخافتة (المثقفون) والأصوات المرتفعة التي تملأ الأجواء بضجيجها.

في المغرب نفس الشيء، نجد العنصرية القبلية واللونية مازالت متأصلة عندنا ولكنها تتنفس بصوت خفي ولا نجهر بها على المنابر لأنه شيء غير متحضر ويتنافى مع الأخلاق الدينية. ولكن ألا نسمع في كل منزل أو بين الأصدقاء وبالخصوص في امور المصاهرات و الزواج “عْزّْيَّة، صْحراوي، شْلْحَة، زَعْرَة غْزالة، لْبْياضْ وْالزّين، وْجْدي، فاسي، ريفي، عْروبي….” وفي غالب الأحيان ما تفشل مشاريع الزواج و العلاقات الأسرية لهذه الأسباب؟

أما ما نراه من سلوك المغاربة اتجاه المهاجرين الأفارقة أليس بعنصرية ظاهرة؟ نعم هناك فئة مثقفة تتحدث عن المساواة وبرامج الإدماج في المجتمع المغربي وهناك من يرى هذه البرامج يجب أن ينتفع بها المغاربة العاطلون في المقام الأول  ولكن تُقال هذه الأفكار بصوت منخفض جدا لأننا شعب كريم ونرحب بالأجانب ونحسن الضيافة وهذه عاداتنا وتقاليدنا؟ ولكن في ضمير كل مغربي هل نجد هذا الاعتقاد؟ أبدا ولا داعي للنفاق وسياسة النعامة و قد تعلقون على هذا المقال بِـ”واشْ دْخْلْتِي فْكُلْ مْغْرِبي وْ دْرْتِي الإحصائيات؟“.

طيب، إذا كُنتُ مخطئاً وأعمم كما يُقال علي من قبل بعض القراء، فكيف نحلل ما وقع من شجار وحرائق وظلم واعتداءات بين المغاربة وضيوفهم؟ هل بهذا الشكل المغربي يستقبل ضيوفه؟ إنها ليست بحالات فردية أو استثنائية بل هي “الكوكوطْ لِطّْرْطْقاتْ” والشارع هو مرآة ما يتم تعليمه في البيوت وكل ما نراه في الأزقة من سلوك هو ترجمة التربية في المنازل.

جل المغاربة عندما يتحدثون عن المهاجرين السود ينعتونهم بـِ “واحد الأفارقة” كأن المغربي ليس بإفريقي أو يرى بشرته بيضاء خالصة في حين أن الأوروبي لا يرى أن المغربي أبيض البشرة وينعته بـِ”بازاني”. ألا نسمع المغاربة ينعتون المهاجرين السود بِـ “العْوّازّا”؟ نعم، ستقولون هذه العبارات و امثالها ليست من أساليب التمييز العنصري ولكن يجب طرحها على الأفارقة السود لكي يعبروا عن عواطفهم إن كان هذا تميز عنصرياً أم لا!

و لكي نجد الحلول الناجعة،علينا على الأقل أن نعترف بسلبياتنا ونتحمل مسؤولية فكرنا وأحكامنا ولا نتظاهر بالعكس ونخفي رؤوسنا تحت الرمال مثل النعام أمام الأمر الواقع. إن العنصرية جارية في مجتمعنا مجرى الدم وإذا لم نشخصها ونعترف بوجودها فسنستمر على هذا الحال في غياب  برامج تربوية و تحسيسية لمعالجتها وسنستمر في القول أننا مغاربة ولا عنصرية بيننا و سندعي أن الأفارقة السود المهاجرين مثلهم مثل المغاربة السود يتمتعون بأحسن معاملة؟

إذا لم نصل إلى شجاعة الاعتراف باختلافنا والبحث عن الوحدة في هذا الاختلاف و التنوع والتحرر من كل الأحكام المسبقة فكيف سنقضي على الفكر العنصري مع المقيمين من السود بوطننا؟

مثلاً، إذا كان المغرب يتطوع لاستقبال 100.000 أجنبي للهجرة بالمغرب وقمنا باستفتاء وطني وطلبنا من كل المغاربة أن يدلو بأصواتهم هل يفضلون أن يكون المهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء أو من روسيا و جيرانها،؟ فبرأيكم، ماذا ستكون نتيجة الاستفتاء؟

على كل مغربي أن يحلل رده على هذا السؤال ليفهم و يدرك أصل ما وقع بالبيضاء!

الدكتور جواد مبروكي

طبيب  ومحلل نفساني

كاتب و فنان تشكيلي

أرتيكل19

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.