‫الرئيسية‬ الأخبار العاجلة درس من التاريخ بصيغة أخرى فشل الاعلامفي زمن التناوب

درس من التاريخ بصيغة أخرى فشل الاعلامفي زمن التناوب

بقلم : جمال المحافظ

تراوحت بصفة عامة، مواقف الصحافة منذ بداية تجربة “التناوب التوافقي” سنة 1998 بين الترحيب والحذر، الذى سرعان ما حل محله انتقاد لاذع مارسته وسائل الاعلام لأداء حكومة الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي في مجال الصحافة والاعلام، بعدما تعهدت باتخاذ المبادرات الكفيلة باحداث تغيير عميق وجذري في قطاع الاعلام والاتصال الذى شكل في السابق موضوع انتقاد دائم للمكونات الرئيسية لهذه الأغلبيةالحكومية، التي واصلت مهامها الي غاية 2002.

وإذا كان تعيين محمد العربي المساري وزيرا للاتصال، قد شكل في حكومة “التناوب الأولى”، مبعث اهتمام وترحيب الوسط الصحافي والإعلامي، خاصة في ظل التزام الحكومة في تصريحها أمام البرلمان، بنهج سياسة، ترمي إلى تمكين البلاد من ولوج عالم الإعلام والمعرفة، فإن الجسم الصحافي آنذاك انتقدتبشدة ما وصفه ب”عجز الطبقة السياسية ومختلف الفاعلين “، على فهم متطلبات الإعلام كقطاع استراتيجي له خصوصياته المهنية والإدارية والتكنولوجية، والذي لا يمكن أن يكون مجرد أداة عادية، تستعملها الهيئات السياسية أو السلطة أو الإدارة أو اللوبيات المالية لتمرير خطابها، ونشر مواقفها، بطريقة تلقينية ومتخلفة وتقليدية ( المجلس الاداري لنقابة الصحافة في بلاغ أصدره في 3 أكتوبر 1998).

فمهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، في زمن التناوب، لم تتجاوز إطار تقديم ملخص، عن أهم ما تتداوله المجالس الحكومية، في غياب تنسيق بينه وبين باقي الوزارات، لتقديم المعطيات الضرورية لتنوير الرأي العام، ضمن خطة منسجمة ومنسقة، فضلا عن تدخل بعض الوزراء أحيانا في العمل المهني للمؤسسات الإعلامية، مع تفضيل الوزير الأول التوجه لوسائل الإعلام الأجنبية على حساب الصحافة الوطنية ( التقرير السنوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية عن أوضاع الصحافة والصحفيين بالمغرب 1997-1998 ).

فالمغرب وإن عرف على المستوى السياسي والدستوري والحقوقي، دينامية متواصلة خلال هذه الحقبة من زمن التناوب، إلا أن مجال حرية الصحافة ظل دائما فضاء للتوتر بين الدولة والصحافة، وكأن هذه المصالحة لم تشمل حقل حريات الإعلام، وهذا مايفسر وقوع حالات من المواجهة بين وسائل الإعلام والسلطات العمومية وبين الصحافة والدولة، وأيضا بين الصحف والقضاء.

وفي نفس السياق كانت 1998 ” السنة الأشد قسوة على حرية الصحافة بالعالم العربي”، سواء من حيث التضييق الرسمي المعلن على الصحافة، أومن حيث تشديد العقوبات والتضييق على حرية النشر، وإصدار أحكام نافذة بحبسالصحفيين في أكثر من دولة عربية، فضلا عن التقارير السنوية الصادرة عن جل المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة، وصنفت البلدان العربية في المراتب الدنيا في مجال التمتع بحرية الصحافة ( تقرير الاتحاد العام للصحفيين العرب في مؤتمر الاتحاد بالقاهرة 9 و10 فبراير1999 ).

وعلى المستوى السياسي، لم يمر وقت طويل على تشكيل حكومة التناوب حتى شهد المغرب حدثا تاريخيا، تمثل في وفاة الملك الحسن الثاني، وتولي الملك محمد السادس العرش، وهو ما شكل أيضا عنصرا مساعدا لتطور الصحافة. وفي الوقت الذى اعتبر المحلولون ، أن الحسن الثاني” حكم البلاد لمدة 38 سنة، وطبع تاريخها المعاصر بمسحة خاصة، مما فتح بحق عهدا جديدا، لابد وأن تكون له انعكاسات على مستوى العلاقات داخل دار المخزن وخارجها”( محمد الطوزي: “الملكية والاسلام السياسي”) .

وفي المقابل حرص العاهل الجديد منذ توليه الحكم ، على إعطاء إشارات تميزت بالتخلص من بعض الملفات السياسية العالقة، وبإطلاق الحريات وفي مقدمتها حرية التعبير، فرفع المنع عن عدد من الطابوهات السياسية والإجتماعية، فتوالى صدور الصحف والمطبوعات خاصة المستقلة التي اشتغلت على تناول أكثر المواضيع حساسية خاصة منها المتعلقة بالسلطة، ورموزها واختياراتها. لقد حرر رحيل الحسن الثاني، قوى المجتمع السياسي والمدني، وكسر الحاجز السيكولوجي الذى أقيم لعقود طويلة حول مواضيع ذات حساسية قصوى، وصادف ذلك بروز جيل جديد من الصحفيين الذين سيأسسون لنمط صحفي جديد، والذين سيوصفون ب” صحافة الوقاحة “، والذين لهم رؤية نقدية للسياسة التقليدية (نور الدين أفاية: ” السلطة والفكر ، نحو ثقافة الاعتراف “)

كما أن هذه التحولات، فرضت تبني خطابا مغايرا، يقوم على المفهوم الجديد للسلطة والإنصاف والمصالحة وحقوق الإنسان، والمجتمع الديمقراطي الحداثي، والتنمية البشرية والملكية المواطنة، وإعادة هيكلة الحقل الديني. الا أنه من جهة أخرى، لوحظ أنه لم تكن هناك قضية أثارت النقاش في هذه الفترة، أكثر من الأدوار التي أصبحت تلعبها الصحافة.

وفي المقابل تبنى “العهد الجديد ” نهجا اقتصاديا –سياسيا يقوم على سياسات قطاعية عمومية، ترتكزعلى الجانبالاجتماعي (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الحوار الاجتماعي،التغطية الصحية، مدن بلا صفيح ، الميناء المتوسطي، الطرق السيارة، كهربة العالم القروي، المخطط الأخضر، المخطط الأزرق..). غير أن “ثالوث الاستمرارية والتكيف والتأهيل”، كان لا مناص من إخضاعه – حسب البعض – لمشروع إصلاحي له أبعاده التاريخية، وينصت لمتطلبات الداخل ولا يرتهن، في اجرائيته، لمساومات الخارج، ويتطلب ضخ الحياة السياسية بثقافة حية،تتخذ من التجديد قاعدة ضرورية في التعامل مع المؤسسات والكفاءات والأفراد.

وإذا كان التناوب قد شكل مرحلة تاريخية من الانفراج، تشهد عليها الحيوية التي صارت للصحافة، غير أنه ” لم يكن ( التناوب) تلك العصا السحرية التي تحقق المعجزات، فقد خلق ارتباكا للديمقراطية، وأسقط الأقنعة، عن عقود عديدة من تاريخ تم التكتم عنه، فلم يتح للناس أن يتعرفوا عليه جيدا، أو يتصالحوا وإياه، ومن وراء ذلك الدفق من التاريخ الذى أطلقته الصحافة، انبرت قطاعات عريضة من المجتمع المغربي تحاول استعادة السنوات الضائعة” ( بيير فيرموريين : “تاريخ المغرب منذ الاستقلال “). الا أنه ابتداء من أواخر سنة 2000 “وقع احكام للقبضة من جديد”، على الصحافة التي تعرضت ثلاثة من منابرها(“لوجورنال”و”الصحيفة “و “دومان”) خلال ومن التناوب للمنع .

وإذا كان الاعلام العمومي، من جهته، قد سار بأصنافه دائما وأبدا، على ايقاع تقلبات الوضع السياسي، محكوما – حسب المرحوم العربي المساري في تقديم مؤلف ” رحلتي مع المكرفون” للإعلامي محمد بن ددوش- بعدم الاحتكام الى المنطق والقوانين والمفاهيم التي تسيرهذا المرفق، فإن من حق الصحافة، أن تستفسر الوزراء عن أنشتطها؛ خاصة وأن الاهتمام الإعلامي بهذه الحكومة في حد ذاته ظاهرة جديدة لم يسبق لها مثيل في الحياة السياسية والإعلامية، غير أن مساءلة هذه التجربة، يجب أن تتم في إطار شروطها الحقيقية وملابساتها الواقعية ( محمد اليازغي: من المعارضة الي التناوب).

لقد أفرزت هذه التجربة السياسية المغربية عناصر تغيير أكيدة، هي بطيئة ولاشك، والتفاوض حولها صعب وقاس أحيانا، لكن النظام السياسي بكل مكوناته، تمكن من التكيف مع ضغوط الزمن، والانصات الى الاختلافات، والى مصادر الاعتراض، بل واضطر غالبية الفاعلين في الحقل السياسي الى تغليب الرؤية السياسية على القناعات الايديولوجية ( جون واتربوري :من محاضرة بندوة بالرباط في ربيع 1997 نظمتها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد حول موضوع ” تجارب الانتقال الديمقراطي بالعالم” )، غير أن وقائع و”دروس التاريخ”، زمن التناوب ،تؤكد أن حكومة اليوسفي، وان كانت قد حققت نتائج في ميادين أخرى، فإنها فشلت فشلا ذريعا في الاعلام، وهو الفشل الذى لازالت تداعياته مستمرة خاصة على مستوى الاعلام العمومي.

أرتيكل١٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

استقبال السيد ناصر بوريطة من قبل فخامة الرئيس الموريتاني، محمد ولد شيخ الغزواني

نواكشوط (وزارة الشؤون الخارجية) – استقبل اليوم الاربعاء، فخامة الرئيس الموريتاني الس…