جريدة إلكترونية مغربية شاملة

جرادة، المجتمع المغربي يتخبط في آلام الولادة

7

كل مغربي  متتبع للأحداث التي تتوالى في وطننا يتساءل كيف ستنتهي هذه الأزمات المختلفة ولماذا تتكاثر مؤخرا خلال هذه الأشهر القليلة؟ ظاهريا الكل يقل إن سببها غياب العدل والمساواة في الحقوق وكثرة الفقر والبطالة. وجوهر هذه الأزمات يظهر لنا في ألوان وأشكال مختلفة في مجال التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة والحكومة والدّين والأخلاق والتربية الروحانية والسكن والعيش الكريم وفي مجال حقوق الإنسان وحرية الضمير وحرية المعتقد وحتى طلب المساواة في الإرث بين الجنسين والحكرة؟

وبالنظر إلى هذه الأزمات، بشكل متجزئ، وأقترح تسميتها “الأزمات الجزئية أو الأزمات الصغرى”. تظهر وكأن كل أزمة منفردة ومستقلة عن الأخرى. في الواقع ما هي إلا أزمة واحدة يعيشها المجتمع المغربي وبإمكاننا تسميتها “الأزمة الرئيسية أو الأزمة الكبرى”. أما بالنسبة للأزمات الجزئية، المختلفة ظاهريا، ما هي إلا تعبير عن الأزمة الرئيسية. فما هي إذا مِيكانيزمات هذه الأزمة الكبرى؟

لا بد أن ندرك الغاية من تحليل ما يقع في هيكل مجتمعنا وكأننا جسم واحد! مثلا إذا كان شخص يشتكي من الحمى ووجع في بطنه هل سنكتفي بتزويده بدواءٍ ضد الحمى ودواء آخر لآلام بطنه فقط؟ أم يجب أن نشخص ما يجري بجسمه لتزويده بدواء صائب يخرجه من المرض الرئيسي والمتسبب للحمى والآلام؟ يمكننا تشبيه الحمى وآلام البطن بالأزمات الصغرى والمرض المتسبب لأعراض الحمى والآلام بالأزمة الرئيسية.

ما يقع في المغرب الآن من أزمات مختلفة ” الأزمات الجزئية أو الصغرى” (الحسيمة، الصويرة، جرادة، اغتصاب في حافلة الدار البيضاء، تعنيف الأساتذة) تطالب بحلول لها فقط مثل المريض الذي يطلب دواء للحمى ودواء آخر لآلم بطنه فقط، بدون أن يدرك ما يقع في جسمه من مرض رئيسي حتى يقتني دواء شاملا وهادفا. نفس الشيء يقع في هيكل المجتمع المغربي، كل أزمة على حدة تطالب بعلاج لها دون أن تُدرك أنها أزمة صغرى بينما يجب أن نفكر في حلول للأزمة الرئيسية وطلب علاج كامل ومتكامل لهيكل المجتمع المغربي بأكمله. هذا هو “العلاج الشامل” الذي يختلف بكثير عن “العلاج الجزئي”!

لرؤية واضحة لما يجري حاليا في مجتمعنا، يجب أن ندرك أيضا أن الأزمة ليست بشيء سلبي أو بفشلٍ ولكن هي في الأصل ميكانيزم إيجابي جداً لأن بفضلها ننتقل من مرحلة لأخرى، مثل أزمة الولادة، رغم صعوباتها الظاهرية فهي تحول الحامل إلى أمٍّ والزوج إلى أبٍ والمرور من مرحلة “الزوجين” إلى مرحلة “الوالدين والأبناء والعائلة”. بالضبط هذا ما يقع حاليا في مجتمعنا حيث نعيش  “آلام ولادة نظام آخر” وهذا ليس بفشل إذا أدركنا “الأزمة الرئيسية” وعرفنا كيف نتعامل معها!

في كل أزمة نواجه صعوبات ومشاقا ويجب أن نبذل جميعا كل جهدنا لنستطيع تجاوز الأزمة والتحول إلى ما هو أفضل في اقرب وقت (لكي لا نتألم كثيراً) وحتى نتجنب التعقيدات ونتفادى حَمْلَ عدد كبير من ندوب الأزمة. بالضبط مثل الولادة، نسعى أن تلد الأم في أقرب وقت لنخفف من آلامها، كما نسعى أن لا تحتفظ الأم بأي ندب لهذه الولادة ويتم هذا بفضل المرافقة الطبية والعائلية. فلو اكتفى الطبيب بتزويد الأم بمهدئ لآلام الولادة بدون أن يدرك أن ما يجري عند الأم هي عملية الولادة وعليه أن يرافقها حتى تتم الولادة في أحسن الظروف فإن الأم والمولود سوف يتعرضان لأخطار كثيرة.

إذا أدركنا نحن المواطنون المغاربة، ما يقع من تحويلات في مجتمعنا، وأدركنا أننا جسم وهيكل واحد وأننا جميعا نمر عبر “أزمة رئيسية” ونعاني من آلام الولادة ووضعنا يداً في يدٍ لنوحد رؤيتنا ونخدم جميعا هيكلنا، فسوف لا يقع أي انفلات وإتلاف وسنخفف حينئذ من آلامنا ونخرج من هذه الأزمة الرئيسية بدون ندوب.

الدكتور جواد مبروكي، خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي

ارتيكل19

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.