‫الرئيسية‬ الأخبار العاجلة استقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل « دعامة أساسية لتكريس مبدأ الإستقلالية القضائية »

استقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل « دعامة أساسية لتكريس مبدأ الإستقلالية القضائية »

*** بقلم : رشيد القديري

تعتبر النيابة العامة مكونا مهما داخل بنيات السلطة القضائية ،بالنظر لدورها الهام في العدالة الجنائية ، باعتبارها آلية تحريكالدعاوى العمومية ، و ممارستها من خلال الطعون في الأحكام والقرارات و الأوامر القضائية الصادرة بشأنها ، فهي قضاء من نوع خاص أوكل إليه المشرع المغربي السهر على التطبيق السليم للقانون ترسيخا للعدالة وحقوق الانسان والحريات الأساسية للأفراد ومحاربة الجريمة, فهي تمثل المجتمع من خلال مباشرتها للدعوى العمومية , وتهدف من وراء دلك وبتنسيق مع جهاز الشرطة القضائية إلى حماية المواطنين في أرواحهم وممتلكاتهم كيفما كان موقعهم الإجتماعي أو الإقتصادي أوالسياسي في إطار القانون. فهي طرف رئيسي في القضايا الزجرية وكل حكم ينطق به في غيبتها يكون باطلا.
وتشكل النيابة العامة ركنا أساسيا داخل الهرم القضائي المغربي القائم على مبدأ استقلالية القضاء, وبدون هذا الإستقلال لا يمكن للمحاكم أن تنال ثقة المتقاضين.
إن السؤال الجوهري الذي يشكل عمود بحثنا هو: ما هو الإطار الدستوري والقانوني لاستقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل؟
أين تتجلى اختصاصات النيابة العامة في ظل القانون رقم 17.33 ؟ وما هي الضمانات الممنوحة لقضاة النيابة العامة فيظل القانون الجديد؟
لمعالجة هذا الموضوع ارتأيت تقسيمه الى نقطتين ، أتناول فيالأولى البناء الدستوري و استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل،و في الثانية البناء القانوني لاستقلالية النيابة العامة عن وزارةالعدل.
أولا : الإطار الدستوري و استقلال النيابة العامة عنوزارة العدل
يساعد البناء الدستوري في تقديم القراءات السليمة لفصوله وأبوابه ، كما أنه يسعف في تنزيل مقتضياته على مستوى القوانينالتنظيمية و باقي فروع القانون .ذلك أن اغفال البناء الدستوريفي اية مقاربة قد يترتب عليه الوصول إلى نتائج غير موضوعية لاتنسجم مع المناهج المعتمدة في الفقه الدستوري.
فدستور 2011 نظم النيابة العامة حيث خصص له الباب السابعمعنون بـ “السلطة القضائية” ونص في مستهله (الفصل 107) على أن: “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعنالسلطة التنفيذية” ، إلا أنه نص في الفصل 110 على أنه: “يجبعلى قضاة النيابة العامة تطبيق القانون، كما يتعين عليهم الالتزامبالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعونلها ”
لقد اعتمد الدستور على هذا المدلول من خلال اشتراط خضوعقضاة النيابة العامة للتعليمات الكتابية و القانونية الصادرة عنالجهة التي يتبعون لها ، و هو مفهوم متقدم يتجاوز استقلالالنيابة العامة عن السلطة التنفيذية و يتعداه إلى الحديث عن نوعجديد من الاستقلال بين أعضاء النيابة العامة أثناء تنفيذالتعليمات وذلك من خلال اشتراط مجموعة من الضوابط والشكليات, وهو ما تعزز بصدور قانون رقم 17.33 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض باعتباره رئيسا للنيابة العامة.
ورغم وجود إجماع حول استقلالية القضاء، إلا أن موضوعاستقلال النيابة العامة عن سلطة وزير العدل والحريات برز فيهرأيان، الأول يتمسك بضرورة استمرارية تبعية قضاة النيابةالعامة لوزير العدل والحريات، والثاني ينادي باستقلال النيابةالعامة عن سلطة وزير العدل والحريات. هذا الخلاف جعلالمجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 4 سبتمبر 2014 يؤجل مناقشةمشروع القانون التنظيمي رقم 13 – 100 المتعلق بالمجلس الأعلىللسلطة القضائية والمصادقة عليه في مجلس حكومي لاحق , وقدجاء مشروع القانون رقم 33.17 بناءا على تعليمات الملك خلالالمجلس الوزاري المنعقد في الدار البيضاء بتاريخ 25 يونيو2017، للحكومة بالإسراع بعرض مشروع القانون المتعلقبـ”اختصاصات رئاسة النيابة العامة وقواعد تنظيمها”، علىالبرلمان، قصد المصادقة عليه خلال الدورة التشريعية الحالية، فيإطار تعزيز استقلال السلطة القضائية، وبعد 5 أيام تمت برمجةمشروع القانون 33.17 في جدول أعمال المجلس الحكوميالمنعقد يوم الخميس 29 يونيو 2017 والذي صادق عليه، لتتمإحالته على مجلس النواب بتاريخ الثلاثاء 4 يوليوز 2017 من أجلالمناقشة والمصادقة، وتم تقديمه وعرضه من طرف وزير العدلوالحريات أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب بتاريخالخميس 6 يوليوز2017 .
إن استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية لا يعني أبدا إلغاءالتعاون بينها و بين باقي المؤسسات الحكومية ، باعتبار أنالتعاون بين مكونات السلط أصبح مبدأ دستوريا ، و لكن دونالإخلال بالتوازن فيما بينها ”
إن استقلال القضاء ونزاهته هما شرطان أساسيان للمحاكمةالعادلة، وهو ما نص عليهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيمادته العاشرة ” لكلِّ إنسان، على قدم المساواة التامة معالآخرين، الحقُّ في أن تَنظر قضيتَه محكمةٌ مستقلَّةٌ ومحايدةٌ،نظرًا مُنصفًا وعلنيًّا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أيَّة تهمةجزائية تُوجَّه إليه ” ، ثم كرسهما العهد الدولي الخاص بالحقوقالمدنية والسياسية في مادته الرابعة عشر.
و قد جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بهذاالخصوص على أن ” من الضروري أن يتولى القانون حمايةحقوق الإنسان لئلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد علىالاستبداد والظلم ” بيد أن هذا النظام القائم على احترام الحقوقوالحريات الأساسية يستتبع بالضرورة أن يكون القضاء المنوط بهتطبيق القانون، مستقلا ونزيهًا وأن تكون الدولة بها مؤسساتديمقراطية قادرة على حماية هذا الاستقلال..
وسنركز خلال هده النقطة على الرأيان المختلفان حول موضوع استقلال النيابة العامة عن سلطة وزير العدل والحريات :
الرأي الأول يؤيد استقلال النيابة العامة عن سلطة وزيرالعدل والحريات :
تقرير يمثله هيئة الإنصاف والمصالحة، وتوصيات الهيئة العلياللحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة
جاءت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة على تقوية استقلالالقضاء والإقرار باستقلاله الذاتي بشريا وماليا وتمكينه منسلطات واسعة في مجال تنظيم المهنة ووضع ضوابطهاوأخلاقياتها وتقييم عمل القضاة وتأديبهم وتخويله إعداد تقريرسنوي عن سير العدالة.
أما توصيات الهيئة العليا للحوار الوطني حول الإصلاح العميقوالشامل لمنظومة العدالة اعتبرت أن أحكام الدستور أقرت بجلاءاستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية،ويجب فصل النيابة العامة عن السلطة التنفيذية وإسناد رئاستهاإلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، مع تخويل وزير العدلصلاحية إعداد السياسة الجنائية التي سيتم إقرارها من طرفالسلطات المختصة، وتبليغ مقتضياتها كتابة إلى الوكيل العامللملك لدى محكمة النقض، مع إحاطة الوكيل العام للملك لدىمحكمة النقض ووزير العدل علما بالإجراءات والتدابير المتخذةبشأن السياسة الجنائية، على أن يقوم الوكيل العام للملك بتقديمتقرير سنوي إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشأن تنفيذالسياسة الجنائية وسير جهاز النيابة العامة يكون موضوع نقاشداخل المجلس.

الرأي الثاني الذي يزكي تبعية قضاة النيابة العامة لسلطة وزير العدل والحريات:
استدل أصحاب هذا الرأي على أن أي عضو من النيابة العامة ينبغي أن يمتثل للأوامر والتعليمات الصادرة عن رؤساءهمالمباشرين التي يوجد على رأسها وزير العدل والحريات, رغم أنه لا ينتمي لسلك القضاة معززين طرحهم ما نص عليه ظهيرشريف بمثابة قانون رقم 467-74-1 بتاريخ 26 شوال 1394 (11 نونبر 1974) يكون النظام الأساسي لرجال القضاء (ج. ر. عدد3237 بتاريخ 28 شوال 1394- 13 نونبر 1974) في فصله56 : “يوضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل ومراقبةوتسيير رؤسائهم الأعلين”..
فاستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيدية كمرتكزدستوري بجناحيها الرآسة والنيابة العامة نص عليه (الفصل107) على أن: “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعيةوعن السلطة التنفيذية” لا يعني ابدا الغاء التعاون بينها و بينباقي المؤسسات الحكومية ، باعتبار أن التعاون بين مكوناتالسلط أصبح مبدأ دستوريا ، و لكن دون الاخلال بالتوازن فيمابينها.
و هكذا فإن خصائص النيابة العامة لا تشكل حاجزا أماماستقلالها عن السلطة التنفيذية ، و أن ذلك ليس من شأنه فيحال تحققه عرقلة تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بدليل أنالدستور الحالي لم يجعل تركيبة المجلس الأعلى للسلطةالقضائية المذكور ذات طابع قضائي محض بل أضاف إليهامؤسسات وفعاليات من المجتمع المدني كمؤسسة الوسيطوالمجلس الوطني لحقوق الإنسان وهيئة العلماء والفعالياتوالشخصيات الأخرى الذين يتألف منهم المجلس ،فهذه الإضافةوهذا المستجد الدستوري الهام أراد من خلاله المشرع الدستوريأن يجعل من القضاء فعلا شأنا اجتماعيا ،وبذلك سيقوى حضورالمجتمع المدني ورقابته الحيوية على شؤون القضاء والقضاة،وهذا مظهر حضاري ومؤسساتي للمفهوم الجديد للمحاسبةوالمراقبة.

ثانيا: الإطار القانوني لاستقلال النيابة العامة عن وزارةالعدل
لقد كشفت تجربة المغرب فيما يخص العدالة الإنتقالية على أن تدخل السلطة التنفيدية في عمل القضاء لا يعني التأثير على قراراتها أو الحد منها ولا يشكل حاجزا أمامها كما قلنا سابقا.
وفي ظل القانون الجديد17-33 يمكن لنا ذكر اختصاصات النيابة العامة :
• تخويل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض باعتباره رئيسالنيابة العامة الإشراف وتتبع أعمال النيابة العامة.
• تعزيز إستقلالية قاض النيابة العامة، في إبداء آرائه بكلحرية وإستقلال في الجلسات العلنية.
وفي هذا الإطار يمارس قضاة النيابة العامة مهامهم واختصاصاتهم المنصوص عليها في التشريعات الجاري بها العمل تحت سلطة وإشراف ومراقبة رئيس النيابة العامة ورؤسائهم التسلسليين.
كما أن القانون الجديد17-33 أقرما يلي:
• حلول الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة محل وزير العدل في ممارسة الاختصاصات التي كانت ممنوحة لوزير العدل ونقلها لرئيس النيابة العامة بما فيه إصدار الأوامر والتعليمات الكتابية الموجهة لقضاة النيابة العامة.
• كما يسهر رئيس الوكيل العام لدى محكمة النقض على حسن سير الدعاوى في مجال اختصاصها وممارسة الطعون وتتبع القضايا المعروضة على المحاكم التي تكون النيابة العامة طرفا فيها.
• إضافة إلى الإشراف على عمل النيابة العامة ومراقبتها في ممارسة صلاحياتها المرتبطة بممارسة الدعوى العمومية ومراقبة سيرها في إطار احترام مضامين السياسة الجنائية طبقا للتشريعات الجاري بها العمل.
فالرقابة الحقيقية لأعمال النيابة العامة تتجلى حقيقة في الرقابة الملكية على اعتبار أن السلطة الملكية تتجسد في الضمانات الممنوحة لها لاستقلال السلطة القضائية المسطرة دستوريا, حيث جاء في الفصل 107 من دستور 2011 على أن ” السلطةالقضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية،والملك هو الضامن لاستقلال القضاء ” ورقابة أخرى تتجلى في دور المجتمع المدني والحقوقي في الرصد و تتبع قرارات النيابة العامة من أجل ضمان الحقوق ورصد مختلف القضايا المعروضة أمام المحاكم بمختلف درجاتها.
وفي الختام فقد شكل قانون 17-33 دعامة أساسية لتوطيد استقلال النيابة العامة كجهاز قائم بداته بعيدا عن مؤثرات السلطة التنفيدية المتمثلة في وزير العدل والحريات , كما توجأيضا بانتصار نضال الطبقة الحقوقية المغربية منذ عقود. وبهذه الخطوة الجريئة يكون المشرع المغربي قد حذا حدو التشريعات المقارنة التي تأخد بنظام استقلال النيابة العامة.

*** : رشيد القديري ، باحث في سلك الدكتوراه تخصص في الععلوم السياسية

أرتيكل١٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الخدمة العسكرية 2019- 2020.. عملية انتقاء وادماج فوج المجندين ستنطلق الاثنين المقبل وستشمل 15 ألف مستفيد (بلاغ)

ذكرت القوات المسلحة الملكية أن عملية انتقاء وادماج فوج المجندين 2019-2020 في إطار الخدمة ا…